
هل أصبحت الشهرة على مواقع التواصل أهم من الدراسة والعمل؟
في السنوات الأخيرة، تغيّر مفهوم النجاح بشكل واضح، خصوصًا مع الانتشار الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي. فبعدما كان التفوق الدراسي والحصول على وظيفة مستقرة من أبرز علامات النجاح، أصبحت الشهرة الرقمية بالنسبة إلى كثير من الشباب هدفًا بحد ذاته.
يكفي أحيانًا أن ينتشر مقطع فيديو على تيك توك أو إنستغرام حتى يتحول صاحبه إلى شخصية معروفة خلال أيام، وهو ما جعل البعض يتساءل: هل أصبحت الشهرة على مواقع التواصل أهم من الدراسة والعمل؟
أصبحت مواقع التواصل تمنح أي شخص تقريبًا فرصة للوصول إلى عدد كبير من الناس دون الحاجة إلى امتلاك شهادة أو وظيفة مرموقة أو إمكانيات ضخمة.
فصانع محتوى بسيط قد يحقق ملايين المشاهدات، ويحصل بعدها على فرص إعلانية وتجارية، وربما يصبح دخله أكبر من دخل شخص قضى سنوات طويلة في الدراسة والعمل.
هذا الواقع جعل الشهرة تبدو للكثيرين طريقًا مختصرًا نحو المال والنجاح، خصوصًا عندما يشاهدون نماذج لأشخاص غيّرت حياتهم مواقع التواصل خلال فترة قصيرة.
من أكثر الأمور إثارة للجدل أن عدد المتابعين والإعجابات أصبح عند البعض معيارًا للقيمة والنجاح.
قد يشعر شاب بأنه أقل نجاحًا لأنه لا يمتلك آلاف المتابعين، بينما يرى شخص آخر أن الحصول على الشهرة أهم من الحصول على شهادة جامعية.
وهنا تكمن المشكلة، لأن الشهرة لا تعني بالضرورة النجاح الحقيقي. فقد يكون الشخص مشهورًا دون أن يمتلك مهارة أو مشروعًا أو مستقبلًا مهنيًا مستقرًا.
رغم تغير سوق العمل، لا تزال الدراسة والتكوين واكتساب المهارات عناصر مهمة لبناء مستقبل مستقر.
الشهادة وحدها قد لا تكون كافية، لكنها تمنح صاحبها قاعدة معرفية وتفتح أمامه أبوابًا مهنية عديدة. كما أن النجاح الدراسي لا يتعارض بالضرورة مع صناعة المحتوى أو الشهرة.
بل يمكن للطالب أن يستفيد من مواقع التواصل لتطوير مهاراته، وبناء شبكة علاقات، والتعريف بمشاريعه وأفكاره.
ليس من العدل اعتبار كل من يسعى إلى الشهرة شخصًا يهرب من الدراسة أو العمل.
فصناعة المحتوى أصبحت مجالًا حقيقيًا للعمل، وظهرت حولها مهن جديدة مثل التسويق الرقمي، إدارة الحسابات، التصوير، المونتاج، الإعلانات وصناعة المحتوى.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الشهرة إلى الهدف الوحيد، ويصبح الشخص مستعدًا للتخلي عن دراسته أو مستقبله المهني من أجل الحصول على مشاهدات مؤقتة.
وراء الأضواء، توجد ضغوط قد لا تظهر على الشاشة.
الشخص المشهور يصبح معرضًا للانتقادات والتنمر والتدخل في حياته الخاصة، كما قد يجد نفسه مضطرًا إلى الاستمرار في نشر المحتوى خوفًا من انخفاض المشاهدات أو فقدان الجمهور.
والأخطر من ذلك هو محاولة البعض إثارة الجدل بأي طريقة لجذب الانتباه، حتى لو كان المحتوى غير مفيد أو مسيئًا.
يمكن لمواقع التواصل أن تكون وسيلة للنجاح، لكنها لا ينبغي أن تصبح المقياس الوحيد له.
فالشخص الناجح قد يكون طبيبًا، مهندسًا، أستاذًا، حرفيًا، صاحب مشروع، باحثًا أو صانع محتوى. المهم هو أن يمتلك قيمة حقيقية يقدمها للآخرين وأن يبني مستقبله على أساس متين.
وفي النهاية، الدراسة والعمل والشهرة ليست بالضرورة خيارات متعارضة. يمكن للشاب أن يتعلم ويعمل ويستفيد من مواقع التواصل في الوقت نفسه.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل أصبح جيل اليوم يبحث عن النجاح الحقيقي، أم أصبح يبحث أولًا عن الشهرة التي تجعله معروفًا أمام الآخرين؟
كن أول من يعلق.