
تعود قضية تحييد المدرسة الجزائرية عن الصراعات السياسية والإيديولوجية إلى واجهة النقاش الوطني، في ظل الجدل المتواصل حول إصلاح المنظومة التربوية والمناهج والبرامج التعليمية. ويأتي هذا النقاش في وقت تؤكد فيه السلطات الجزائرية ضرورة أن يبقى الحوار حول المدرسة قائمًا على أسس تربوية وبيداغوجية، بعيدًا عن الحسابات السياسية والإيديولوجية.
وفي هذا السياق، شدد الأستاذ بوجمعة شهاوي على أن المدرسة الجزائرية لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة للتجاذبات السياسية أو الإيديولوجية، باعتبارها مؤسسة تربوية مهمتها الأساسية تكوين الأجيال وتنمية قدراتهم العلمية والفكرية وترسيخ قيم المواطنة.
تُعد المدرسة من أهم المؤسسات التي تساهم في بناء شخصية الطفل وتشكيل وعيه، ولذلك فإن استقرارها ووضوح أهدافها يمثلان عنصرين أساسيين لضمان جودة التعليم.
فالاختلاف في الرؤى حول المناهج واللغات وطرق التدريس أمر طبيعي، بل يمكن أن يكون مفيدًا عندما يتم داخل إطار علمي وبيداغوجي. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الملفات إلى أدوات للصراع السياسي أو إلى وسيلة لتصفية الحسابات بين مختلف التيارات.
وقد أكد مجلس الوزراء، في اجتماعه المنعقد يوم 6 سبتمبر 2026، توجيهات واضحة تقضي بإبعاد المؤسسة التربوية عن التيارات الإيديولوجية والصراعات السياسية، مع التأكيد على أن يبقى النقاش في قطاع التربية «بيداغوجيًا محضًا». كما وجّه إلى مناقشة أي مقترح يتعلق بتغيير قطاع التربية على مستوى مجلس الوزراء قبل الإعلان عنه.
الإصلاح الحقيقي للمنظومة التربوية لا يمكن أن يتحقق من خلال القرارات المتسرعة أو النقاشات التي تطغى عليها الحسابات السياسية، وإنما يحتاج إلى دراسات علمية وتقييم مستمر ومشاركة المختصين والأساتذة والفاعلين في القطاع.
وكانت وزارة التربية الوطنية قد أعلنت خلال التحضير للدخول المدرسي 2026-2027 عن مواصلة تحيين البرامج والمناهج، وتعزيز الرقمنة والرياضة المدرسية والابتكار، إلى جانب العمل على إصلاحات هيكلية تشمل التقييم البيداغوجي والتأطير والهياكل والأنشطة المكملة.
وهذا يعني أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في تحديد ما ينبغي تغييره، وإنما في كيفية تنفيذ الإصلاحات وضمان استمراريتها وقياس نتائجها على أرض الواقع.
مصلحة التلميذ يجب أن تكون الأولوية
وسط مختلف النقاشات التي ترافق إصلاح التعليم، يبقى التلميذ هو الطرف الذي ينبغي أن يكون في قلب كل قرار.
فأي إصلاح يجب أن يجيب أولًا عن أسئلة أساسية: هل سيحسن مستوى التحصيل؟ هل سيخفف الضغط عن التلميذ؟ هل سيطور مهاراته؟ وهل سيساعده على الاندماج في الجامعة وسوق العمل والمجتمع؟
كما أن المدرسة مطالبة بتكوين مواطن يمتلك المعرفة والقدرة على التفكير والنقاش واحترام الاختلاف، دون أن تتحول المؤسسة التعليمية إلى فضاء لفرض توجه سياسي أو إيديولوجي معين.
ومن هذا المنطلق، فإن حياد المدرسة لا يعني عزلها عن المجتمع أو منع النقاش حول قضاياه، وإنما يعني ضمان أن تكون المعرفة والتربية والمصلحة التعليمية هي الأساس الذي يحكم هذا النقاش.
نحو مدرسة جزائرية مستقرة وعصرية
إن النقاش حول مستقبل المدرسة الجزائرية سيبقى حاضرًا، خاصة مع التطورات المتسارعة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتغير متطلبات سوق العمل. ولذلك فإن الجزائر بحاجة إلى مدرسة قادرة على الجمع بين الحفاظ على الهوية الوطنية والانفتاح على العلوم واللغات والتكنولوجيا.
وقد أكدت وزارة التربية، في عرضها لتحضيرات الموسم الدراسي الجديد، التوجه نحو مدرسة عصرية ذات جودة، مع مواصلة تطوير المناهج والتحول الرقمي وتحسين التنظيم البيداغوجي.
كما أن مبدأ حماية المؤسسة التربوية من التأثير السياسي والإيديولوجي أصبح منصوصًا عليه دستوريًا؛ إذ ينص النص الدستوري المعدل في 2026 على ضمان حياد المؤسسات التربوية والحفاظ على طابعها البيداغوجي والعلمي وحمايتها من أي تأثير سياسي أو إيديولوجي.
كن أول من يعلق.