
🇩🇿 الجزائر والهيدروجين الأخضر.. مشروع ضخم قد يفتح ممرًا جديدًا للطاقة نحو أوروبا
تتجه الجزائر إلى تعزيز حضورها في سوق الطاقة النظيفة، مع اقتراب موعد الحدث الدولي المرتقب حول الممر الهيدروجيني الجنوبي (SoutH₂ Corridor)، وهو مشروع استراتيجي يهدف إلى نقل الهيدروجين المتجدد من شمال إفريقيا نحو مراكز صناعية في أوروبا.
وفي هذا السياق، ترأس وزير الطاقة والطاقات المتجددة مراد عجال، الأحد 30 أوت 2026، اجتماعًا خُصص للتحضير للحدث العالمي المرتقب في الجزائر حول المشروع، ما يعكس الأهمية التي أصبحت توليها الجزائر لهذا النوع من مشاريع الطاقة.
🌱 ما هو الممر الهيدروجيني الجنوبي؟
SoutH₂ Corridor هو مشروع لإنشاء ممر لنقل الهيدروجين عبر شبكة أنابيب يبلغ طولها حوالي 3,300 كيلومتر، ويربط شمال إفريقيا بإيطاليا ثم النمسا وألمانيا.
ويُطوّر المشروع من طرف أربعة مشغّلين أوروبيين لشبكات نقل الطاقة، هم Snam الإيطالية وTAG وGas Connect Austria النمساويتان وbayernets الألمانية.
ولا يتعلق الأمر بمشروع منفصل خاص بالجزائر وحدها، وإنما بمبادرة أوسع تشارك فيها الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا، وقد وقعت الدول الخمس في يناير 2025 إعلانًا سياسيًا مشتركًا لدعم تطوير الممر.
☀️ لماذا الجزائر في قلب المشروع؟
تملك الجزائر إمكانات كبيرة في مجال إنتاج الطاقة الشمسية، خصوصًا في المناطق الجنوبية، حيث تتوفر مساحات واسعة ومعدلات مرتفعة من الإشعاع الشمسي.
وهذه الموارد يمكن أن تشكل أساسًا لإنتاج الهيدروجين المتجدد، عبر استخدام الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة في عملية تحليل الماء.
الفكرة ببساطة هي:
☀️ طاقة شمسية → ⚡ كهرباء متجددة → 💧 تحليل الماء → 🟢 هيدروجين متجدد → 🇪🇺 نقله إلى أوروبا
وهذا ما يمنح الجزائر فرصة محتملة للانتقال من دورها التقليدي كمصدر للغاز الطبيعي إلى لاعب إضافي في سوق الطاقة النظيفة.
🚰 كيف سيصل الهيدروجين إلى أوروبا؟
أحد أهم عناصر المشروع هو الاعتماد بدرجة كبيرة على إعادة استخدام البنية التحتية الموجودة.
وبحسب الموقع الرسمي للمشروع، فإن أكثر من 65% من البنية التحتية المستعملة في الممر يمكن أن تكون عبارة عن خطوط أنابيب يعاد تكييفها لنقل الهيدروجين، بدل بناء شبكة جديدة بالكامل.
ومن المفترض أن ينتقل الهيدروجين المنتج في شمال إفريقيا باتجاه إيطاليا، ثم عبر شبكة الأنابيب إلى النمسا وألمانيا، حيث توجد تجمعات صناعية تحتاج إلى كميات كبيرة من الهيدروجين.
ويضم الجزء الإيطالي من المشروع وحده شبكة هيدروجين تمتد لنحو 2,300 كيلومتر، مع قدرة استيراد من شمال إفريقيا تصل إلى 448 غيغاواط ساعة يوميًا وفق بيانات المشروع.
📊 أكثر من 4 ملايين طن سنويًا
من أبرز الأرقام المرتبطة بالمشروع قدرته المستهدفة على نقل ما يزيد عن 4 ملايين طن من الهيدروجين المتجدد سنويًا من شمال إفريقيا.
ووفق القائمين على المشروع، يمكن لهذه الكمية أن تمثل أكثر من 40% من هدف الاتحاد الأوروبي لاستيراد الهيدروجين ضمن خطة REPowerEU.
وهذا الرقم يوضح أن المشروع لا يُنظر إليه على أنه خط أنابيب محدود، بل كجزء من البنية التحتية الأوروبية المستقبلية للطاقة.
🇪🇺 لماذا تحتاج أوروبا إلى الهيدروجين؟
تسعى أوروبا إلى تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى مصادر طاقة قادرة على تلبية احتياجات قطاعات صناعية يصعب تحويلها بالكامل إلى الكهرباء.
ومن بين هذه القطاعات:
🏭 الصناعات الثقيلة
🔩 صناعة المعادن والصلب
🧪 الصناعات الكيميائية
🚢 بعض أنواع النقل الثقيل
⚙️ قطاعات صناعية تحتاج إلى درجات حرارة مرتفعة
وهنا يأتي دور الهيدروجين، إذ يمكن استخدامه كمادة أولية ووقود في بعض هذه القطاعات.
كما أن الاتحاد الأوروبي يعتبر الممر جزءًا من توجه أوسع نحو تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على مصادر الوقود الأحفوري. وقد أُعيد إدراج مشاريع الممر ضمن قائمة مشاريع البنية التحتية ذات الأهمية المشتركة للاتحاد الأوروبي في 2025.
🇩🇿 ماذا يمكن أن تربح الجزائر؟
بالنسبة للجزائر، قد يحمل تطوير الهيدروجين المتجدد مجموعة من الفرص الاقتصادية.
💰 1. تنويع الصادرات
تعتمد صادرات الطاقة الجزائرية تاريخيًا بدرجة كبيرة على النفط والغاز. دخول الهيدروجين إلى قائمة المنتجات الطاقوية المستقبلية يمكن أن يساعد على تنويع مصادر الدخل.
☀️ 2. استغلال الطاقة الشمسية
بدل الاكتفاء بإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، يمكن تحويل جزء منها إلى منتج قابل للتصدير، وهو الهيدروجين.
👷 3. خلق وظائف جديدة
تطوير القطاع يحتاج إلى مهندسين وتقنيين وخبراء في الطاقة والكهرباء والمياه والأنابيب والبرمجيات والصيانة، ما قد يخلق فرص عمل جديدة.
🏭 4. تطوير صناعة جديدة
قد يؤدي الاستثمار في الهيدروجين إلى ظهور صناعات مرتبطة به، مثل معدات التحليل الكهربائي، أنظمة الطاقة الشمسية، التخزين، الضغط والنقل.
🌍 5. تعزيز الشراكة مع أوروبا
المشروع يضع الجزائر في قلب تعاون طاقوي جديد مع دول أوروبية، ويمنحها فرصة لتعزيز موقعها كشريك في التحول الطاقوي الأوروبي.
🇮🇹 إيطاليا.. البوابة الأوروبية الأولى
تلعب إيطاليا دورًا محوريًا في الممر بسبب موقعها الجغرافي القريب من شمال إفريقيا.
ومن المنتظر أن تكون الشبكة الإيطالية نقطة استقبال مهمة للهيدروجين القادم من المنطقة، قبل توجيهه نحو النمسا وألمانيا.
وتعمل شركة Snam على تطوير شبكة هيدروجين إيطالية يمكنها استقبال الهيدروجين القادم من شمال إفريقيا وربطه بمناطق الاستهلاك داخل إيطاليا وأوروبا الوسطى.
وهذا يجعل التعاون الجزائري الإيطالي مهمًا ليس فقط في مجال الغاز الطبيعي، وإنما أيضًا في الطاقة المتجددة والهيدروجين.
🇹🇳 الجزائر وتونس.. دور مغاربي مشترك
ولا تقتصر مشاركة شمال إفريقيا في المشروع على الجزائر.
فتونس أيضًا جزء من المبادرة، وهناك مشاريع لإنتاج الهيدروجين المتجدد في جنوب البلاد يمكنها الاستفادة من الممر.
وقد وقعت تونس اتفاقيات لدراسة مشاريع كبيرة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، بينها مشروع يبدأ بطاقة إنتاجية تبلغ 200 ألف طن سنويًا مع إمكانية رفعها مستقبلًا إلى مليون طن.
وهذا يعني أن الممر يمكن أن يصبح في المستقبل حلقة وصل بين موارد الطاقة المتجددة في شمال إفريقيا والأسواق الصناعية الأوروبية.
🔧 لماذا إعادة استخدام أنابيب الغاز مهمة؟
إنشاء آلاف الكيلومترات من أنابيب جديدة للهيدروجين سيكون مكلفًا للغاية.
لذلك يعتمد المشروع بدرجة كبيرة على فكرة إعادة تهيئة خطوط الغاز الموجودة.
وبحسب المشروع، فإن الاستفادة من البنية التحتية الحالية يمكن أن تقلل تكاليف النقل وتسرّع إنشاء الشبكة مقارنة ببناء شبكة جديدة بالكامل.
لكن إعادة استخدام خطوط الغاز ليست مجرد عملية بسيطة؛ إذ يجب التأكد تقنيًا من ملاءمة كل جزء من الشبكة لنقل الهيدروجين، إلى جانب تكييف محطات الضغط والقياس وغيرها من المعدات.
⚠️ هل المشروع مضمون؟
رغم الطموحات الكبيرة، فإن الطريق أمام المشروع ليس خاليًا من التحديات.
فإنتاج الهيدروجين بكميات ضخمة يحتاج إلى:
استثمارات كبيرة + طاقة متجددة + مياه + منشآت إنتاج + شبكات نقل + أسواق مستعدة للشراء.
كما أن تطوير مشاريع الهيدروجين يحتاج إلى أطر قانونية وتنظيمية واضحة، وتمويل طويل الأجل، واتفاقيات تجارية تضمن وجود مشترين للهيدروجين.
ولهذا تركز الاجتماعات بين الدول المشاركة على الجوانب التقنية والتنظيمية والتمويلية، وليس فقط على الإعلان السياسي عن المشروع. وقد أشار اجتماع العمل السادس للمشروع في 2025 إلى مواصلة العمل على التخطيط التقني والتمويل والتعاون عبر الحدود.
🏗️ متى يمكن أن يبدأ المشروع؟
وفق الموقع الرسمي للمبادرة، يُتوقع أن يدخل SoutH₂ Corridor مرحلة التشغيل في بداية ثلاثينيات هذا القرن.
وهذا يعني أن المشروع لا يمثل تغييرًا سيحدث خلال أشهر، وإنما ورشة طاقوية طويلة الأمد تحتاج إلى عدة سنوات من الدراسات والاستثمارات والإنجاز.
🔮 هل يمكن أن يصبح الهيدروجين "غاز المستقبل" للجزائر؟
من المبكر القول إن الهيدروجين سيحل محل الغاز الطبيعي.
لكن المؤكد أن الجزائر أمام فرصة لإضافة مورد طاقوي جديد إلى اقتصادها.
فإذا تمكنت البلاد من استغلال إمكاناتها الشمسية وتطوير إنتاج تنافسي، فقد تصبح جزءًا من سلسلة إمداد جديدة تربط الصحراء الجزائرية بالمصانع الأوروبية.
وهنا تكمن أهمية مشروع SoutH₂ Corridor: فهو لا يتعلق فقط بإنشاء أنبوب، وإنما بإقامة سلسلة طاقة جديدة تمتد من إنتاج الهيدروجين في شمال إفريقيا إلى استهلاكه في قلب الصناعة الأوروبية.
🇩🇿 خطوة نحو مستقبل طاقوي جديد
الاجتماع التحضيري الذي احتضنته الجزائر اليوم حول الممر الهيدروجيني الجنوبي يأتي في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بالطاقة النظيفة.
وبالنسبة للجزائر، يمكن أن يشكل هذا المسار فرصة لإعادة تعريف دورها في سوق الطاقة: من بلد يعتمد أساسًا على تصدير المحروقات إلى بلد قادر على الجمع بين الغاز والطاقة الشمسية والهيدروجين المتجدد.
لكن تحقيق هذه الرؤية سيحتاج إلى أكثر من الإمكانات الطبيعية؛ إذ يتطلب استثمارات ضخمة، تكوين كفاءات، بنية تحتية حديثة، وشراكات طويلة الأمد.
ومع اقتراب الحدث الدولي المرتقب في الجزائر، تتجه الأنظار إلى الخطوات المقبلة: هل ستتحول الإمكانات الهائلة للطاقة الشمسية في الصحراء الجزائرية إلى مصدر جديد للهيدروجين المتجدد الموجه نحو أوروبا؟
إذا تحقق ذلك، فقد لا تكون الصحراء الجزائرية مستقبلًا مجرد مصدر للغاز، بل واحدة من المناطق المهمة في خريطة الطاقة النظيفة العالمية.
كن أول من يعلق.